الشيخ محمد هادي معرفة
28
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وذكر التفنّن في فنون البلاغة والخوض في وجوه الفصاحة والتصرّف في أساليب الكلام ، وكان من أعظم منتحلات العرب ، فجاءهم بما أعجزهم في القرآن ، قال تعالى : « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » . « 1 » وذكر ضرب الأمثال واستشهد بقوله تعالى : « وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ » . « 2 » ثمّ بعد هذا البيان ذكر أنّ القرآن إنّما تعرّض لما ألفه العرب من العلوم الصحيحة ، وأهمل ما كان باطلًا ، كالكهانة والزجر وخطّ الرمل والطيرة والعيافة ونحوها . أمّا وزيادةً على ذلك فلم يتعرّض لها القرآن ، والقول بذلك تجاوز عن الحدّ ، قال : إنّ كثيراً من الناس تجاوزوا الحدّ في الدعوى على القرآن ، فأضافوا إليه كلّ علم يذكر للمتقدّمين والمتأخّرين من علوم الطبيعيات والتعاليم كالهندسة وغيرها من الرياضيات والمنطق وعلم الحروف وأشباهها . . وهذا إذا عرضناه على ما ذكرناه لم يصحّ . قال : وربّما استندوا في دعواهم إلى قوله تعالى : « وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ » « 3 » وقوله : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » « 4 » ونحو ذلك . قال : أمّا الآيات فالمراد بها عند المفسّرين مايتعلّق بحال التكليف والتعبّد . أو المراد بالكتاب في الآية الثانية اللوح المحفوظ ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمّنه لجميع العلوم النقلية والعقلية . « 5 » * * * قلت : ولعلّ وهن مستند ذاك الزعم ظاهر لا يحتاج إلى بيان . أمّا الآيات الكريمة التي استندوا إليها فهي على نمطَين :
--> ( 1 ) - الإسراء 88 : 17 . ( 2 ) - الروم 58 : 30 . ( 3 ) - النحل 89 : 16 . ( 4 ) - الأنعام 38 : 6 . ( 5 ) - الموافقات للشاطبي ، ج 2 ، ص 69 - 82 . ( راجع : التفسير والمفسّرون للذهبي ، ج 2 ، ص 485 - 490 ) .